
(ANLCA)
تنخرط الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية بعمق في صميم الأولويات الوطنية الكبرى، إيمانا منها بأن التنمية البشرية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، هي ركائز أساسية لبناء مغرب الغد. فالأمية، بما تشكله من عائق رئيسي أمام الإدماج والمشاركة الفاعلة، ليست قدرا محتوما، بل تحد يتطلب إرادة قوية ورؤية واضحة وجهدا جماعيا متواصلا لمحاربتها والحد منها.
وقد جدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده التأكيد، في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المؤتمر الدولي السابع الذي نظمته منظمة اليونسكو ببلادنا في يونيو 2022، تحت شعار "التعلم وتعليم الكبار من أجل التنمية المستدامة: أجندة تحويلية". جاء في هذه الرسالة أن البرنامج الوطني لمحو الأمية يتجاوز حدود القراءة والكتابة، ليشمل تيسير الإدماج المهني للفئات المستهدفة في سوق الشغل، من خلال تكوينات تعزز المهارات وتدعم إنشاء مشاريع مدرة للدخل.
ومنذ أن تحملت مسؤولية إدارة الوكالة في يناير 2023، حرصت على الانخراط في هذه الدينامية الوطنية بروح من الالتزام والعزيمة، مواصلا المسار لكنني مؤمن بضرورة صياغة توجه استراتيجي متجدد ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية، ودستور المملكة، والنموذج التنموي الجديد، والالتزامات الدولية للمغرب، وفي مقدمتها أهداف التنمية المستدامة و"إطار عمل مراكش" المعتمد خلال المؤتمر الدولي السابع لتعليم الكبار، كما يتناغم مع الدافعية التي تحدوني لخدمة ملكي ووطني.
وقد عرفت سنتي 2023 و2024 محطة مفصلية، تمثلت في إطلاق ورش تشاركي لصياغة الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية 2023-2035، التي تحمل رؤية طموحة ترمي إلى القضاء على الأمية في أفق سنة 2029، وفق ما تنص عليه أحكام القانون الإطار رقم 51-17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. وتقوم هذه الاستراتيجية على مقاربة شمولية ومندمجة تنطلق من خصوصيات المجالات الترابية، وتفتح آفاقا أرحب أمام كافة المواطنات والمواطنين للاستفادة من برامج متنوعة تستجيب لاحتياجاتهم الواقعية.
ويتم تنزيل هذه الاستراتيجية من خلال خارطة الطريق 2023-2027، التي تضم 20 مشروعا موزعة على أربعة محاور رئيسية: الاستهداف، الالتقائية، الجودة، والحكامة.
لقد أصبحنا اليوم ننظر إلى محو الأمية باعتباره مدخلا أساسيا لمسار التعلم مدى الحياة، بما يتيح لكل فرد امتلاك الأدوات والقدرات التي تمكنه من ممارسة حقوقه كاملة، والمشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والتكيف مع التحولات السريعة التي يشهدها عالمنا. ومن هذا المنطلق، فإن الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية ماضية في مضاعفة الجهود، انسجاما مع الرؤية الملكية الحكيمة التي تجعل من التعليم الجيد حقا للجميع، ووسيلة للاندماج في عالم المعرفة، ولولوج سوق الشغل، والمساهمة في التنمية الفردية والجماعية.
إننا نؤمن بأن هذه المهمة الوطنية النبيلة لا يمكن أن تتحقق إلا بروح من التعاون الوثيق والانفتاح على جميع الشركاء والمتدخلين، وتوحيد الجهود في سبيل هدف واحد، وهو مواكبة الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من خلال العمل على تحقيق تطلعات الشعب المغربي في مغرب متعلم ومتمكن.
إن السعي إلى محو الأمية هو مسار نحو إرساء عدالة اجتماعية أعمق، وبناء مجتمع أكثر اندماجا، وتحقيق تنمية مستدامة تلامس كل فئات الوطن. وهو جهد جماعي يتطلب تضافر الإرادات ووحدة الصف. وفي هذا السياق، أود أن أوجه تحية تقدير وامتنان لكل النساء والرجال الذين يكرسون وقتهم وجهدهم يوميا على الميدان، والذين بفضل إخلاصهم ومثابرتهم نقترب كل يوم من تحقيق هدفنا المشترك: جعل الحق في التعليم ومحو الأمية واقعا ملموسا، وجعل التعلم مدى الحياة خيارا متاحا لكل مواطن ومواطنة.
فلنعمل معا، يدا في يد، من أجل أن يصبح هذا الحق حقيقة راسخة في حياة كل فرد.
عبد الودود خربوش
مدير الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية